فصل: حوادث سنة ست وسبعين ومائة:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الكامل في التاريخ (نسخة منقحة)



.ذكر إمارة ابنه هشام:

كان عبد الرحمن قد عهد إلى ابنه هشام، ولم يكن أكبر ولده، فإن سليمان كان أكبر منه، وإمنا كان يتوسم فيه الشهامة، والاضطلاع بهذا الأمر، فلهذا عهد إليه.
ولما توفي أبوه كان هوبماردة متولياً لهأن وناظراً في أمرهأن وكان أخوه سليمان، وهوأكبر منه، بمدينة طليطلة، وكان يروم الأمر لنفسه، ويحسد أخاه هشاماً على تقديم والده له عليه، وأضمر له الغش والعصيان؛ وكان أخوه عبد الله المعروف بالبلنسي حاضراً بقرطبة عند والده. فلما توفي جدد عبد الله البيعة لأخيه هشام، بعد أن صلى على والده، وكتب إلى أخيه هشام يعرفه موت والده، والبيعة له، فسار من ساعته إلى قرطبة، فدخلها في ستة أيام، واستولى على الملك، وخرج عبد الله إلى داره، مظهراً لطاعته، وفي نفسه غير هذأن وسنذكر ما كان منه إن شاء الله تعالى.

.ذكرالصحصح الخارجي:

وفيها خرج الصحصح الخارجي بالجزيرة، وكان عليها أبوهريرة، فوجه عسكراً إلى الصحصح، فلقوه، فهزمهم، وسار الصحصح إلى الموصل فلقيه عسكرها بباجرمى، فقتل منهم كثيرأن ورجع إلى الجزيرة، فغلب على ديار ربيعة، فسير الرشيد إليه جيشاً فلقوه بدورين، فقتلوه، وعزل الرشيد أبا هريرة عن الجزيرة.

.ذكر قتل روح بن صالح:

وفيها استعمل الرشيد على صدقات بني تغلب روح بن صالح الهمداني، وهومن قواد الموصل، فجرى بينه وبين تغلب خلاف، فجمع جمعأن وقصدهم، فبلغهم الخبر، فاجتمعوأن وساروا إلى روح، فبيتوه، فقتل هو وجماعة من أصحابه، فسمع حاتم بن صالح، وهوبالسكير، فجمع جمعاً كثيرأن وسار إلى تغلب، فبيتهم، وقتل منهم خلقاً كثيرأن وأسر مثلهم.
وفيها عزل الرشيد بن الملك بن صالح الهاشمي عن الموصل، واستعمل عليها إسحاق بن محمد.

.ذكر استعمال روح بن حاتم على إفريقية:

وفيها استعمل الرشيد على إفريقية روح بن حاتم بن قبيصة بن المهلب بن أبي صفرة، لما بلغه وفاة أخيه يزيد بن حاتم بهأن على ما ذكرناه، فقدمها في رجب، وكان داود بن يزيد أخيه على إفريقية، فلما وصل عمه روح ساد داود إلى الرشيد، فاستعمله.
قال روح: كنت عاملاً في فلسطين، فأحضرني الرشيد، فوصلت وقد بلغه موت أخي يزيد، فقال: أحسن الله عزاءك في أخيك، وقد وليتك مكانه لتحفظ صنائعه ومواليه.
فسار إليهأن ولم تزل البلاد معه آمنة، ساكنة من فتنة، لأن أخاه يزيد كان قد أكثر القتل في الخوارج بإفريقية فذلوا.
ثم توفي روح بالقيروان، ودفن إلى جانب قبر أخيه يزيد، وكانت وفاته في رمضان سنة أربع وسبعين ومائة؛ ولما استعمل المنصور يزيد بن حاتم على إفريقية، استعمل أخاه روحاً على السند فقيل له: يا أمير المؤمنين لقد باعدت ما بين قبريهما؛ فتوفي يزيد بالقيروان، ثم وليها روح، فتوفي بها ودفن إلى جانب أخيه يزيد.
وكان روح أشهر بالشرق من يزيد، ويزيد أشهر بالغرب من روح لطول مدة ولايته، وكثرة خروجه فيها والخارجين عليه.

.ذكر عدة حوادث:

فيها قدم أبوالعباس الفضل بن سليمان الطوسي من خراسان، واستعمل الرشيد عليها جعفر بن محمد بن الأشعث، فلما قدم خراسان سير ابنه العباس إلى كابل، فقاتل أهلها حتى افتتحهأن ثم افتتح سانهار، وغمن ما كان بها.
وفيها قتل الرشيد أبا هريرة محمد بن فروخ، وكان على الجزيرة، فوجه إليه الرشيد أبا حنيفة حرب بن قيس، فأحضره إلى بغداد وقتله.
وفيها أمر الرشيد بإخراج الطالبيين من بغداد إلى مدينة النبي صلى الله عليه وسلم، خلا العباس بن الحسن بن عبد الله بن علي بن أبي طالب.
وفيها خرج الفضل بن سعيد الحروري فقتله أبوخالد المروروذي.
وفيها قدم روح بن حاتم إفريقية. وحج بالناس هذه السنة عبد الصمد بن علي بن عبد الله بن عباس.

.حوادث سنة اثنتين وسبعين ومائة:

.ذكر خروج سليمان وعبد الله على هشام:

في هذه السنة، وقيل سنة ثلاث وسبعين ومائة، وهوالصحيح، خرج سليمان وعبد الله ابنا عبد الرحمن بن معاوية بن هشام، أمير الأندلس، عن طاعة أخيهما هشام بالأندلس، وكان هشام قد ملك بعد أبيه، كما ذكرناه، فلما استقر له الملك كان معه أخوه عبد الله المعروف بالبلنسي، وكان هشام يؤثره ويبره ويقدمه، فلم يرض عبد الله إلا بالمشاركة في أمره.
ثم إنه خاف من أخيه هشام، فمضى هارباً إلى أخيه سليمان، وهوبطليطلة، فلما خرج من قرطبة أخرج هشام جمعاً في أثره ليردوه فلم يلحقوه، فجمع هشام عساكره، وسار إلى طليطلة، فحضر أخويه بهأن وكان سليمان قد جمع وحشد خلقاً كبيرأن فلما حصرهما هشام سار سليمان من طليطلة وترك ابنه وأخاه عبد الله يحفظان البلد، وسار هوإلى قرطبة ليملكهأن فعلم هشام الحال، فلم يتحرك، ولا فارق طليطلة بل أقام يحصرها.
وسار سليمان، فوصل إلى شقندة، فدخلهأن وخرج إليه أهل قرطبة مقاتلين ودافعين عن أنفسهم.
ثم إن هشاماً سير في أثره ابنه عميد الملك، في قطعة من الجيش، فلما قاربه مضى سليمان هاربأن فقصد مدينة ماردة، فخرج إليه الوالي بها لهشام، فحاربه، فانهزم سليمان، وبقي هشام على طليطلة شهرين وأياماً محاصراً لها ثم عاد عنهأن وقد قطع أشجارها وسار إلى قرطبة، فأتاه أخوه عبد الله بغير أمان، فأكرمه وأحسن إليه.
فلما دخلت سنة أربع وسبعين سير هشام ابنه معاوية في جيش كثيف إلى تدمير، وبها سليمان، فحاربه، وخربوا أعمال تدمير، ودوخوا أهلها ومن بهأن وبلغوا البحر، فخرج سليمان من تدمير هاربأن فلجأ إلى البرابر بناحية بلنسية، فاعتصم بتلك الناحية الوعرة المسلك، فعاد معاوية إلى قرطبة.
ثم أن الحال استقر بين هشام وسليمان أن يأخذ سليمان أهله وأولاده وأمواله ويفارق الأندلس، وأعطاه هشام ستين ألف دينار مصالحة عن تركة أبيه عبد الرحمن، فسار إلى بلد البرابر فأقام به.

.ذكر خروج جماعة على هشام أيضاً:

وفيها خرج بالأندلس أيضاً سعيد بن الحسين بن يحيى الأنصاري بشاغنت، من أقاليم طرطوشة، في شرق الأندلس؛ وكان قد التجأ إليها حين قتل أبوه، كما تقدم، ودعا إلى اليمانية، وتعصب لهم، فاجتمع لهم خلق كثير وملك مدينة طرطوشة، وأخرج عامله يوسف القيسي، فعارضه موسى بن فرتون، وقام بدعوة هشام، ووافقته مضر، فاقتتلأن فانهزم سعيد وقتل، وسار موسى إلى سرقسطة فملكهأن فخرج عليه مولى للحسين بن يحيى اسمه جحدر في جمع كثير فقاتله وقتل موسى.
وخرج أيضاً مطروح بن سليمان بن يقظان بمدينة برشلونة، وخرج معه جمع كثير، فملك مدينة سرقسطة ومدينة وشقه، وتغلب على تلك الناحية، وقوي أمره، وكان هشام مشغولاً بمحاربة أخويه سليمان وعبد الله.

.ذكر عدة حوادث:

وفيها عزل الرشيد إسحاق بن محمد عن الموصل، واستعمل سعيد بن سلم الباهلي، وعزل الرشيد يزيد بن مزيد بن زائدة، وهوابن أخي معن بن زائدة، عن أرمينية، واستعمل عليها أخاه عبيد الله بن المهدي.
وفيها غزا الصائفة إسحاق بن سليمان بن علي.
وفيها وضع الرشيد على أهل السواد العشر الذي كان يؤخذ منهم بعد النصف.
وحج بالناس يعقوب بن المنصور.
وفيها مات الفضل بن صالح بن علي بن عبد الله بن عباس، وهوأخوعبد الملك؛ وتوفي سليمان بن بلال مولى ابن أبي عتيق؛ وتوفي أبويزيد رباح بن يزيد اللخمي الزاهد، بمدينة القيروان، وكان مجاب الدعوة.

.حوادث سنة ثلاث وسبعين ومائة:

فيها توفي محمد بن سليمان بن علي بالبصرة، فأرسل الرشيد من قبض تركته، وكانت عظيمة من المال والمتاع، والدواب، فحملوا منه ما يصلح للخلافة، وتركوا مال لا يصلح.
وكان من جملة ما أخذوا ستون ألف ألف، فلما قدموا بذلك عليه أطلق منه للندماء والمغنين شيئاً كبيرأن ورفع الباقي إلى خزانته.
وكان سبب أخذ الرشيد تركته أن أخاه جعفر بن سليمان كان يسعى به إلى الرشيد حسداً له، ويقول: إنه لا مال له، ولا ضيعة إلا وقد أخذ أكثر من ثمنها ليتقوى به على ما تحدث به نفسه، يعني الخلافة، وإن أمواله حل طلق لأمير المؤمنين؛ وكان الرشيد يأمر بالاحتفاظ بكتبه، فلما توفي محمد بن سليمان أخرجت كتبه إلى جعفر أخيه، واحتج عليه بهأن ولم يكن له أخ لأبيه وأمه غير جعفر، فأقر بهأن فلهذا قبضت أمواله.
وفيها ماتت الخيزران أم الرشيد، فحمل الرشيد جنازتهأن ودفنها في مقابر قريش، ولما فرغ من دفنها أعطى الخاتم الفضل بن الربيع، وأخذه من جعفر بن يحيى بن خالد.
وفيها استقدم الرشيد جعفر بن محمد بن الأشعث من خراسان، واستعمل عليها ابنه العباس بن جعفر؛ وحج بالناس الرشيد، أحرم من بغداد.
وفيها مات مورقاط ملك جليقية، من بلاد الأندلس، وولي بعده برمند بن قلورية القس، ثم تبرأ من الملك، وترهب، وجعل ابن أخيه في الملك، وكان ملك ابن أخيه سنة خمس وسبعين ومائة.
وفيها توفي سلام بن أبي مطيع بتشديد اللام؛ وجريرية بن أسماء بن عبيد البصري؛ ومروان بن معاوية بن الحارث بن أسماء الفزاري، أبوعبد الله، وكان موته بمكة فجاءة.

.حوادث سنة أربع وسبعين ومائة:

وفيها استعمل الرشيد إسحاق بن سليمان على السند ومكران.
وفيها استقضى الرشيد يوسف بن أبي يوسف، وأبوه حي.
وفيها هلك روح بن حاتم، وسار الرشيد آل الجودي، ونزل بقردي وبازبدى من أعمال جزيرة ابن عمر، فابتنى بها قصراً.
وغزا الصائفة عبد الملك بن صالح.
وحج بالناس الرشيد، فقسم في الناس مالاً كثيراً.
وفيها عزل علي بن مسهر عن قضاء الموصل، وولي القضاء بها إسماعيل بن زياد الدولابي.

.حوادث سنة خمس وسبعين ومائة:

في هذه السنة عقد الرشيد لابنه محمد بن زبيدة بولاية العهد، ولقبه الأمين، وأخذ له البيعة وعمره خمس سنين.
وكان سبب البيعة أن خاله عيسى بن جعفر بن المنصور جاء إلى الفضل بن يحيى بن خالد، فسأله في ذلك، وقال له: إنه ولدك، وخلافته لك. فوعده بذلك، وسعى فيهأن حتى بايع الناس له بولاية العهد.
وفيها عزل الرشيد عن خراسان العباس بن جعفر، وولاها خالداً الغطريف بن عطاء.
وغزا الصائفة عبد الرحمن بن عبد الملك بن صالح فبلغ أقريطية؛ وقيل غزاها عبد الملك نفسه، فأصابهم برد شديد سقط منه كثير من أيدي الجند وأرجلهم.
وفيها سار يحيى بن عبد الله بن حسن بن حسن ين علي إلى الديلم، فتحرك هناك؛ وحج بالناس هذه السنة هارون الرشيد.

.ذكر ظفر هشام بأخويه ومطروح:

وفيها فرغ هشام بن عبد الرحمن، صاحب الأندلس، من أخويه سليمان وعبد الله، وأجلاهما عن الأندلس، فلما خلا سره منهما انتدب لمطروح ابن سليمان بن يقظان، فسير إليه جيشاً كثيفأن وجعل عليهم أبا عثمان عبيد الله بن عثمان، فساروا إلى مطروح، وهوبسرقسطة، فحصروه بهأن فلم يظفروا به، فرجع أبوعثمان عنه، ونزل بحصن طرسونة، بالقرب من سرقسطة، وبث سراياه على أهل سرقسطة يغيرون ويمنعون عنهم الميرة.
ثم إن مطروحاً خرج في بعض الأيام، آخر النهار، يتصيد، فأرسل البازي على طائر، فاقتنصه، فنزل مطروح ليذبحه بيده، ومعه صاحبان له قد انفرد بهما عن أصحابه، فقتلاه واحتزا رأسه وأتيا به أبا عثمان، فسار إلى سرقسطة، فكاتبه أهلها بالطاعة، فقبل منهم، وسار إليها فنزلهأن وأرسل رأس مطروح إلى هشام.

.ذكر غزاة هشام بالأندلس:

ثم إن أبا عثمان لما فرغ من مطروح أخذ الجيش، وسار بهم إلى بلاد الفرنج، فقصد ألية، والقلاع، فلقيه العدو، فظفر بهم، وقتل منهم خلقاً كثيرأن وفتح الله عليه.
وفيها سير هشام أيضاً يوسف بن بخت في جيش إلى جليقية، فلقي ملكهم وهوبرمند الكبير، فاقتتلوا قتالاً شديدأن وانهزمت الجلالقة، وقتل منهم عالم كثير.
وفيها انقاد أهل طليطلة إلى طاعة الأمير فآمنهم.
وفيها سجن هشام أيضاً ابنه عبد الملك لشيء بلغه عنه، فبقي مسجوناً حياة أبيه وبعض ولاية أخيه، فتوفي محبوساً سنة ثمان وتسعين ومائة.

.ذكر عدة حوادث:

وفيها خرج بخراسان حصين الخارجي، وهومن موالي قيس بن ثعلبة، من أهل أوق، وكان على سجستان عثمان بن عمارة، فأرسل جيشأن فلقيهم حصين، فهزمهم، ثم أتى خراسان وقصد باذغيس، وبوشنج، وهراة، وكتب الرشيد إلى الغطريف في طلبه، فسير إليه الغطريف داود بن يزيد في اثني عشر ألفأن فلقيهم حصين في ستمائة، فهزمهم، وقتل منهم خلقاً كثيراً.
ثم سار في خراسان إلى أن قتل سنة سبع وسبعين ومائة.
وفيها مات الليث بن سعد الفقيه بمصر؛ ومحمد بن إسحاق بن إبراهيم أبوالعنبس الشعر.
وفيها توفي المسيب بن زهير بن عمر بن مسلم الضبي، وقيل سنة ست وسبعين، وكان على شرط المنصور والمهدي، وولاه المهدي خراسان.
وفيها ولد إدريس بن إدريس بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب.

.حوادث سنة ست وسبعين ومائة:

.ذكر ظهور يحيى بن عبد الله بالديلم:

في هذه السنة ظهر يحيى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بالديلم واشتدت شوكته، وكثر جموعه، وأتاه الناس من الأمصار، فاغتم الرشيد لذلك، فندب إليه الفضل بن يحيى في خمسين ألفأن وولاه جرجان وطبرستان والري وغيرهمأن وحمل معه الأموال، فكاتب يحيى بن عبد الله، ولطف به، وحذره، وأشار عليه، وبسط أمله.
ونزل الفضل بالطالقان، بمكان يقال له أشب، ووالى كتبه إلى يحيى، وكاتب صاحب الديلم، وبذل له ألف ألف درهم على أن يسهل له خروج يحيى بن عبد الله، فأجاب يحيى إلى الصلح، على أن يكتب له الرشيد أماناً بخطه يشهد عليه فيه القضاة، والفقهاء، وجلة بني هاشم، ومشايخهم، منهم: عبد الصمد بن علي، فأجابه الرشيد إلى ذلك، وسر به، وعظمت منزلة الفضل عنده وسير الأمان مع هدايا وتحف، فقدم يحيى مع الفضل بغداد، فلقيه الرشيد بكل ما احب، وأمر له بمال كثير.
ثم أن الرشيد حبسه، فمات في الحبس، وكان الرشيد قد عرض كتاب أمان يحيى على محمد بن الحسن الفقيه، وعلى أبي البختري القاضي، فقال محمد: الأمان صحيح، فحاجه الرشيد، فقال محمد: وما يصنع بالأمان لوكان محاربأن ثم ولي وكان آمناً؟ وقال أبوالبختري: هذا أمان منتقض من وجه كذا؛ فمزقه الرشيد.

.ذكر ولاية عمر بن مهران مصر:

وفيها عزل الرشيد موسى بن عيسى عن مصر، ورد أمرها إلى جعفر بن يحيى بن خالد، فاستعمل عليها جعفر عمر بن مهران.
وكان سبب عزله أن الرشيد بلغه أن موسى عازم على الخلع، فقال: والله لا أعزله إلا بأخس من على بابي! فأمر جعفر، فأحضر عمر بن مهران، وكان أحول، مشوة الخلق، وكان لباسه خسيسأن وكان يردف غلامه خلفه، فلما قال له الرشيد: أتسير إلى مصر أميراً؟ قال: أتولاها على شرائط، إحداها أن يكون إذني إلى نفسي، إذا أصلحت البلاد انصرفت، فأجابه إلى ذلك.
فسار، فلما وصل إليها أتى دار موسى فجلس في أخريات الناس، فلما تفرقوا قال: ألك حاجة؟ قال: نعم! ثم دفع إليه الكتب، فلما قرأها قال: هل يقدم أبوحفص، أبقاه الله؟ قال: أنا أبوحفص. قال موسى: لعن الله فرعون حيث قال: {أليس لي ملك مصر}؟ الزخرف: 51 ثم سلم له العمل، فقدم عمر إلى كاتبه أن لا يقبل هدية إلا ما يدخل في الكيس، فبعث الناس بهداياهم، فلم يقبل دابة، ولا جارية، ولم يقبل إلا المال والثياب، فأخذهأن وكتب عليها أسماء أصحابهأن وتركها.
وكان أهل مصر قد اعتادوا المطل بالخراج، وكسره، فبدأ عمر برجل منهم فطالبه بالخراج، فلواه، فأقسم أن لا يؤديه إلا بمدينة السلام، فبذل الخراج، فلم يقبله منه، وحمله إلى بغداد فأدى الخراج بها؛ فلم يمطله أحد، فأخذ النجم الأول، والنجم الثاني؛ فلما كان النجم الثالث وقعت المطاولة والمطل وشكوا الضيق، فأحضر تلك الهدايا وحسبها لأربابهأن وأمرهم بتعجيل الباقي، فأسرعوا في ذلك، فاستوفي خراج مصر عن آخره، ولم يفعل ذلك غيره، ثم انصرف إلى بغداد.

.ذكر الفتنة بدمشق:

وفي هذه السنة هاجت الفتنة بدمشق بين المضرية واليمانية، وكان رأس المضرية أبوالهيذام، واسمه عامر بن عمارة بن خريم الناعم بن عمروبن الحارث بن خارجه بن سنان بن أبي حارثة بن مرة بن نشبة بن غيظ بن مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان المري، أحد فرسان العرب المشهورين.
وكان سبب الفتنة أن عاملاً للرشيد بسجستان قتل أخاً لأبي الهيذام، فخرج أبوالهيذام بالشام، وجمع جمعاً عظيمأن وقال يرثي أخاه:
سأبكيك بالبيض الرقاق وبالقنا ** فإن بها ما يدرك الطالب الوترا

ولسنا كمن ينعي أخاه بغيره ** يعصرها من ماء مقلته عصراً

وإنا أناس ما تفيض دموعنا ** على هالك منا وإن قصم الظهرا

ولكنني أشفي الفؤاد بغارة ** ألهب في قطري كتائبها جمراً

وقيل إن هذه الأبيات لغيره والصحيح أنها له، ثم إن الرشيد احتال عليه بأخ له كتب إليه فأرغبه، ثم شد عليه فكتفه، وأتى به الرشيد فمن عليه وأطلقه.
وقيل: كان أول ما هاجت الفتنة في الشام أن رجلاً من بني القين خرج بطعام له يطحنه في الرحا بالبقاء، فمر بحائط رجل من لخم أوجذام، وفيه بطيخ وقثاء، فتناول منه، فشتمه صاحبه، وتضاربأن وسار القيني؛ فجمع صاحب البطيخ قوماً من أهل اليمن ليضربوه إذا عاد، فلما عاد ضربوه وأعانه قوم آخرون، فقتل رجل من اليمانية، وطلبوا بدمه، فاجتمعوا لذلك.
وكان على دمشق حينئذ عبد الصمد بن علي، فلما خاف الناس أن يتفاقم ذلك أجتمع أهل الفضل والرؤساء ليصلحوا بينهم، فأتوا بني القين فكلموهم، فأجابوهم إلى ما طلبوأن فأتوا اليمانية فكلموهم، فقالوا: انصرفوا عنا حتى ننظر؛ ثم ساروأن فبيتوا بني القين، فقتلوا منهم ستمائة، وقيل ثلاثمائة، فاستنجدت القين قضاعة وسليحأن فلم ينجدوهم، فاستنجدت قيساً فأجابوهم، وساروا معهم إلى الصواليك من أرض البلقاء، فقتلوا من اليمانية ثمامنائة، وكثر القتال بينهم فالتقوا مرات.
وعزل عبد الصمد عن دمشق، واستعمل عليها إبراهيم بن صالح بن علي، فدام ذلك الشر بينهم نحوسنتين، والتقوا بالبثنية، فقتل من اليمانية نحوثماني مائة، ثم اصطلحوا بعد شر طويل.
ووفد إبراهيم بن صالح على الرشيد، وكان ميله مع اليمانية، فوقع في قيس عند الرشيد، فاعتذر عنهم عبد الواحد بن بشر النصري من بني نصر، فقبل عذرهم، ورجعوأن واستخلف إبراهيم بن صالح على دمشق ابنه إسحاق، وكان ميله أيضاً مع اليمانية، فأخذ جماعة من قيس، فحبسهم، وضربهم وحلق لحاهم، فنفر الناس، ووثبت غسان برجل من ولد قيس بن العبسي فقتلوه، فجاء أخوه إلى ناس من الزواقيل بحوران، فاستنجدهم فأنجدوه وقتلوا من اليمانية نفراً.
ثم ثارت اليمانية بكليب بن عمروبن الجنيد بن عبد الرحمن، وعنده ضيف له، فقتلوه، فجاءت أم الغلام بثيابه إلى أبي الهيذام، فألقتها بين يديه، فقال: انصرفي حتى ننظر، فإني لا أخبط خبط العشواء، حتى يأتي الأمير ونرفع إليه دماءنأن فإن نظر فيها وإلا فأمير المؤمنين ينظر فيها.
ثم أرسل إسحاق فأحضر أبا الهيذام، فحضر، فلم يأذن له؛ ثم إن أناساً من الزواقيل قتلوا رجلاً من اليمانية، وقتلت اليمانية رجلاً من سليم، ونهبت أهل تلفياثأن وهم جيران محارب، فجاءت محارب إلى أهل الهيذام، فركب معهم إلى إسحاق في ذلك، فوعدهم الجميل فرضي، فلما انصرف أرسل إسحاق إلى اليمانية يغريهم بأبي الهيذام، فاجتمعوأن وأتوا أبا الهيذام من باب الجابية، فخرج إليهم في نفر يسير، فهزمهم، واستولى على دمشق، وأخرج أهل السجون عامة.
ثم إن أهل اليمانية استجمعت، واستنجدت كلبأن وغيرهم، فأمدوهم، وبلغ الخبر أبا الهيذام، فأرسل إلى المضرية، فأتته الأمداد وهويقاتل اليمانية عند باب تومأن فانهزمت اليمانية.
ثم إن اليمانية أتت قرية لقيس عند دمشق، فأرسل أبوالهيذام إليهم الزواقيل، فقاتلوهم، فانهزمت اليمانية أيضأن ثم لقيهم جمع آخر، فانهزموا أيضأن ثم أتاهم الصريخ: أدركوا باب تومأن فأتوه، فقاتلوا اليمانية، فانهزمت أيضأن فهزموهم في يوم واحد أربع مرات، ثم رجعوا إلى أبي الهيذام.
ثم أرسل إسحاق إلى أبي الهيذام يأمره بالكف، ففعل، وأرسل إلى اليمانية: قد كففته عنكم، فدونكم الرجل فهوغار؛ فأتوه من باب شرقي متسللين، فأتى الصريخ أبا الهيذام، فركب في فوارس من أهله، فقاتلهم، فهزمهم.
ثم بلغه خبر جمع آخر لهم على باب تومأن فأتاهم، فهزمهم أيضاً؛ ثم جمعت اليمانية أهل الأردن والخولان وكلباً غيرهم، وأتى الخبر أبا الهيذام، فأرسل من يأتيه بخبرهم، فلم يقف لهم على خبر في ذلك، وجاؤوا من جهة أخرى كان آمناً منها لبناء فيها.
فلما انتصف النهار ولم ير شيئاً فرق أصحابه، فدخلوا المدينة، ودخلها معهم، وخلف طليعة، فلما رآه إسحاق قد دخل أرسل إلى ذلك البناء فهدمه، وأمر اليمانية بالعبور، ففعلوأن فجاءت الطليعة إلى أبي الهيذام، فأخبروه الخبر، وهوعند باب الصغير، ودخلت اليمانية المدينة وحملوا على أبي الهيذام، فلم يبرح، وأمر بعض أصحابه أن يأتي اليمانية من ورائهم، ففعلوأن فلما رأتهم اليمانية تنادوا: الكمين الكمين، وانهزموأن وأخذ منهم سلاحاً وخيلاً.
فلما كان مستهل صفر جمع إسحاق الجنود، فعسكروا عند قصر الحجاج، وأعلم أبوالهيذام أصحابه، فجاءته القين وغيرهم، واجتمعت اليمن إلى إسحاق، فالتقى بعض العسكر فاقتتلوأن فانهزمت اليمانية وقتل منهم، ونهب أصحاب أبي الهيذام بعض داريأن وأحرقوا فيها ورجعوأن وأغار هؤلاء، فنهبوا وأحرقوأن واقتتلوا غير مرة، فانهزمت اليمانية أيضاً.
فأرسلت ابنة الضحاك بن رمل السكسكي، وهي يمانية، إلى أبي الهيذام تطلب منه الأمان، فأجابهأن وكتب لها؛ ونهب القرى التي لليمانية بنواحي دمشق وأحرقهأن فلما رأت اليمانية ذلك أرسل إليه ابن خارجة الحرشي وابن عزة الخشني، وأتاه الأوزاع والأوصاب، ومقرأن وأهل كفر سوسية، والحميريون، وغيرهم يطلبون الأمان، فآمنهم، فسكن الناس وأمنوا.
وفرق أبوالهيذام أصحابه، وبقي في نفر يسير من أهل دمشق، فطمع فيه إسحاق، فبذل الأموال للجنود ليواقع أبا الهيذام، فأرسل العذافر السكسكي في جمع إلى أبي الهيذام، فقاتلوهم، فانهزم العذافر.
ودامت الحرب بين أبي الهيذام وبين الجنود من الظهر إلى المساء؛ وحملت خيل أبي الهيذام على الجند، فجالوا ثم تراجعوا وانصرفوأن وقد جرح منهم أربعمائة، ولم يقتل منهم أحد، وذلك نصف صفر.
فلما كان الغد لم يقتتلوا إلى المساء، فلما كان آخر النهار تقدم إسحاق في الجند، فقاتلهم عامة الليل، وهم بالمدينة، واستمد أبوالهيذام أصحابه، وأصبحوا من الغد فاقتتلوا والجند في اثني عشر ألفأن وجاءتهم اليمانية، وخرج أبوالهيذام من المدينة، فقال لأصحابه، وهم قليلون: أنزلوأن فنزلوأن وقاتلوهم على باب الجابية، حتى أزالوهم عنه.
ثم إن جمعاً من أهل حمص أغاروا على قرية لأبي الهيذام، فأرسل طائفة من أصحابه إليهم، فقاتلوهم، فانهزم أهل حمص، وقتل منهم بشر كثير، وأحرقوا قرى في الغوطة لليمانية، وأحرقوا داريأن ثم بقوا نيفاً وسبعين يوماً لم تكن حرب.
فقدم السندي، مستهل ربيع الآخر، في الجنود من عند الرشيد فأتته اليمانية تغريه بأبي الهيذام، وأرسل أبوالهيذام إليه يخبره أنه على الطاعة، فأقبل حتى دخل دمشق، وإسحاق بدار الحجاج، فلما كان الغد أرسل السندي قائداً في ثلاثة آلاف، وأخرج إليهم أبوالهيذام ألفأن فلما رآهم القائد رجع إلى السندي، فقال: أعط هؤلاء ما أرادوأن فقد رأيت قوماً الموت أحب إليهم من الحياة؛ فصالح أبوالهيذام، وأمن أهل دمشق والناس.
وسار أبوالهيذام إلى حوران، وأقام السندي بدمشق ثلاثة أيام، وقدم موسى بن عيسى والياً عليهأن فلما دخلها أقام بها عشرين يومأن واغتمن غرة أبي الهيذام فأرسل من يأتيه به، فكبسوا داره، فخرج هو وابنه خريم وعبد له، فقاتلوهم، ونجا منهم وانهزم الجند.
وسمعت خيل أبي الهيذام، فجاءته من كل ناحية، وقصد بصرى، وقاتل جنود موسى بطرف اللجاة، فقتل منهم، وانهزموأن ومضى أبوالهيذام، فلما أصبح أتاه خمسة فوارس فكلموه، فأوصى أصحابه بما أراد، وتركهم ومضى، وذلك لعشر بقين من رمضان سنة سبع وسبعين ومائة.
وكان أولئك النفر قد أتوه من عند أخيه يأمره بالكف، ففعل، ومضى معهم، وأمر أصحابه بالتفرق، وكان آخر الفتنة، ومات أبوالهيذام سنة اثنتين وثمانين ومائة.
هذا ما أردنا ذكره على سبيل الاختصار.
خريم بضم الخاء المعجمة، وفتح الراء. وحارثة بالحاء المهملة، والثاء المثلثة. ونشبه بضم النون، وسكون الشين المعجمة وبعدها باء موحدة. وبغيض بالباء الموحدة، وكسر الغين المعجمة، وآخره ضاد معجمة، وريث بالراء، والياء تحتها نقطتان، وآخره ثاء مثلثة.